لماذا تتصاعد موجة الانتحار في صفوف جنود البحرية الأمريكية؟

أكدت القوات البحرية الأمريكية في تقرير لها انتحار 8 بحارة في قاعدة تينكر الجوية بمدينة أوكلاهوما خلال عام واحد، في سياق حديثها عن تقارير متتالية أشارت إلى ازدياد حالات الانتحار في صفوف القوات الأمريكية، وهو حدث أثار مجدداً مخاوف عميقة بشأن الصحة النفسية لأفراد الجيش الأمريكي وظروف عملهم ومعيشتهم.

 

 

ووفقاً لصحيفة “ميليتاري تايمز”، وقعت حالات الانتحار الثمانية هذه في وحدات تابعة لوحدة الاتصالات الاستراتيجية الأولى التابعة للبحرية الأمريكية، والمسؤولة عن تشغيل ودعم طائرات “إي-6 بي ميركوري”، حيث تُستخدم هذه الطائرات المعدلة من طراز بوينغ 707، والتي تُعرف أحياناً باسم “طائرات يوم القيامة”، لتوفير اتصالات آمنة وقيادة وسيطرة على القوات النووية الأمريكية في حال وقوع أزمة نووية.

وأوضح ضابط في البحرية مطلع على شؤون الوحدة_ التي تضم حوالي 1700 فرد من أفراد الخدمة الفعلية _ أن الإجهاد وساعات العمل الطويلة وصيانة طائرات عمرها قرابة 30 عاماً تُعد من أصعب العوامل التي يواجهها الجنود، مبيناً أن أطقم الطيران تعمل بنظام مناوبة شهر عمل وشهر راحة ولكن حتى في أوقات راحتهم يجب أن يكونوا على أهبة الاستعداد أو يتلقوا تدريبات أو يُنشروا في مهام مؤقتة، مما يعني أنهم يقضون وقتاً أقل مع عائلاتهم مقارنة بأفراد وحدات الأسطول السطحي، إضافة إلى انخفاض حاد في الرضا الوظيفي بسبب أعمال صيانة الطائرات القديمة التي لا تنتهي تقريباً.

وكان من بين الضحايا ثاتشر روبرت وهو بحار يبلغ من العمر 20 عاماً خدم في سرب الاستطلاع الجوي الثالث التابع للأسطول والملقب بالرجل الحديدي، حيث كان يعاني من الاكتئاب في الأشهر التي سبقت وفاته ودخل المستشفى مرتين وذهب إلى عيادة المجموعة الطبية 72 لتلقي خدمات عاجلة في مجال الصحة النفسية، ووفقاً لوالدته أليسيا كيلسي أُبلغ في العيادة أنه سيُنقل إلى مركز علاج خارج القاعدة لتلقي العلاج في المستشفى حيث لم يتلقَ رعاية كافية من قبل، وتُرك وحيداً لفترة من الوقت بانتظار تعليمات إضافية بشأن نقله ثم غادر العيادة وسار على الطريق السريع 35 وقفز من فوق جسر لتكون وفاته سابع حالة انتحار في وحدة الاتصالات الاستراتيجية الأولى وأسرابها التابعة منذ مارس 2025.

وأثار الحادث ردود فعل واسعة من قادة البحرية ولفت انتباه السيناتور ريتشارد بلومنتال السيناتور الأقدم عن ولاية كونيتيكت الذي شكك في الحادث خلال جلسة استماع للجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ في فبراير، ومع ذلك وبعد 3 أشهر فقط أقدم بحار آخر في الوحدة على الانتحار.

وفي مارس انتحر كارلين آدامز أخصائي معدات السلامة من الدرجة الثانية المعروف بين أهله وأصدقائه باسم سي جيه ليصبح الضحية الثامنة من وحدته خلال عام، ووفقاً لتقرير فقد أطلق النار على نفسه أمام زوجته في 24 مارس.

 

تصاعد انتحار جنود البحرية

وتشير التقارير إلى أن هذه الحوادث وقعت في وقت شهدت فيه معدلات الانتحار بين أفراد الجيش الأمريكي ارتفاعاً في السنوات الأخيرة، حيث شهد معدل الانتحار بين أفراد الجيش الأمريكي ارتفاعاً عاماً منذ عام 2011 على الرغم من انخفاضه بين عامي 2022 و2024.

ووفقاً لإحصاءات مكتب منع الانتحار التابع لوزارة الدفاع الأمريكية في عام 2024، كان 65% من أفراد الخدمة الذين انتحروا قد شُخِّصوا بمشكلة صحية نفسية في العام الذي سبق وفاتهم، و38% يعانون من مشاكل في العلاقات، و38% يعانون من ضغوطات العمل، و20% يعانون من مشاكل قانونية، و13% يعانون من مشاكل مالية.

 

الصهيونية تستهلك شباب أمريكا

وبحسب التقرير، يقول مسؤولون في البحرية الأمريكي إن ارتفاع حالات الانتحار بين أفراد الخدمة يعكس جزئياً اتجاهاً مشابهاً بين الشباب في جميع أنحاء البلاد حيث ارتفع معدل الانتحار بين الشباب الأمريكيين على مدى العقدين الماضيين على الرغم من انخفاضه بين عامي 2023 و2024. وقال بول روزن نقيب متقاعد في البحرية ومدير بالنيابة لمكتب ثقافة القوة والمرونة إن الضغوطات الرئيسية التي يتعرض لها البحارة بما في ذلك المشاكل العاطفية والمالية وفترات التغيير مماثلة لتلك التي يواجهونها في الحياة المدنية.

وليست هذه المرة الأولى التي تُبتلى فيها قاعدة تينكر بوفيات أفرادها في السنوات الأخيرة، ففي عام 2023 توفي 17 شخصاً في القاعدة حيث امتنع مسؤولو القوات الجوية في البداية عن الكشف عن سبب الوفاة أو تحديد ما إذا كانوا عسكريين أم مدنيين قبل أن يصرحوا لاحقاً لصحيفة ميليتاري تايمز بأن 6 من الوفيات يُشتبه في أنها حالات انتحار.

 

إجهاد حاملات الطائرات

وتأتي حالات الانتحار في قاعدة تينكر في وقت يواجه فيه سلاح البحرية الأمريكية انتقادات واسعة النطاق بشأن الأوضاع على متن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن خلال فترة انتشار السفينة الطويلة في الشرق الأوسط والتي وردت تقارير بشأنها عن نقص في الغذاء والمعدات وتعطل المراحيض وانقطاع المياه الساخنة لفترات طويلة. كذلك واجهت حاملة الطائرات العملاقة “يو إس إس جيرالد آر فورد” أزمات قاسية خلال عملياتها الأخيرة، أبرزها حريق مدمر اندلع في منتصف مارس 2026 واستمر نحو 30 ساعة مسبباً أضراراً بالغة ودمر مخادع مئات البحارة وأجبر السفينة على الانسحاب للإصلاح في اليونان، إلى جانب أعطال مزمنة في أنظمة الصرف الصحي والإرهاق التشغيلي لطاقمها الناتج عن انتشارها القياسي لأكثر من 10 أشهر متواصلة دون راحة، وهو ما أدى إلى استنزاف المعدات وطاقم العمل وأعاد فتح النقاش حول تدهور ظروف المعيشة والصحة النفسية داخل الأسطول الأمريكي.

 

وزعم مسؤولون في البحرية الأمريكية أن 8 بحارة من مجموعة حاملة الطائرات أبراهام لينكولن حاولوا الانتحار إلا أنه لم يمت أي منهم، ودعا النائب براد شنايدر الديمقراطي عن ولاية إلينوي إلى عقد جلسات استماع في الكونغرس للتحقيق في الظروف التي أثرت على الصحة النفسية للطاقم ردّاً على تقارير الانتحار. وانضمت السيناتور جيليبراند سابقاً إلى 14 عضواً آخر في الكونغرس في رسالة تطالب بمزيد من المعلومات حول ظروف المهمة. كما قال إن ما وصفه ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث بالأخبار الكاذبة قد تحول في نهاية المطاف إلى وضع خطير ومتدهور للقوات الأمريكية، لتُعد قضية حالات الانتحار الثمانية في قاعدة تينكر واحدة من أحدث الحالات التي أعادت تسليط الضوء مرة أخرى على النقاش حول الصحة العقلية وظروف العمل والدعم الاجتماعي ونوعية حياة القوات الأمريكية.

التعليقات مغلقة.