الحج بين مقصلة التسييس وتغول التسليع.. طريقة إدارة الركن الخامس بعقلية الشركات ومواسم الترفيه

 

 

تحت غطاء كثيف من الشعارات البراقة كـ “خدمة الحرمين الشريفين”، تقبع خلف الكواليس تساؤلات عدة وخفايا صادمة حول آليات إدارة النظام السعودي لموسم الحج، هذا التحقيق يغوص في تاريخ الشعيرة المقدسة بالوثائق والأرقام بحثا عن كيف تحولت الفريضة الإسلامية المقدسة من شعيرة إيمانية، يفترض أن تكون ميسرة ومجانية لكل مسلم، إلى ورقة ابتزاز سياسي، ومصيدة أمنية، ومنفذ استثماري ربحي بحت، بالتزامن مع انحراف بوصلة النظام نحو رعاية مواسم الترفيه على حساب الركن الخامس للإسلام.

 

شروط تعجيزية وجواري وغلمان!

“تسييس الحج” ليس وليد اليوم، أو شكل من استثمارات النظام السعودي بجوهره الجديد بقدر ماهو امتداد لعقلية إقصائية رافقت نشأة هذا النظام، يكشف الكتاب التاريخي “تاريخ آل سعود” للكاتب الحجازي ناصر سعيد، والذي أزعج النظام كثيراً، عن خفايا صادمة تعود إلى عام 1812م.

 

في ذلك العام، منع النظام السعودي حجاج مصر والشام من أداء الفريضة بحجة واهية وهي أن “إسلامهم لا يعجب السلطة”، وفرض شروطاً قسرية غريبة على من يسمح لهم بالدخول، منها: عدم حلق اللحى، منع الجهر بذكر الله بأصوات عالية، وتحريم قول “يا محمد”، فرض إتاوات مالية بلغت عشرة جنيهات ذهبية على كل حاج، الأدهى من ذلك، إجبار أمير الحج المصري والسوري على دفع ضريبة بشرية سنوية تتمثل في “عشر جوارٍ وعشرة غلمان بيض” لكل منهما، هذه الممارسات التعجيزية فجرت انتفاضة مصرية قادها إبراهيم محمد علي باشا بجيش تحرير عربي انضم إليه أبناء اليمن وعُمان، وقضت على الدولة السعودية الأولى (1745م – 1818م).

 

مجازر الإهمال.. عشوائية التنظيم خلف الستار

تتفاخر الماكينة الإعلامية السعودية بالقدرات التنظيمية، لكن الأرقام والوقائع تكشف عن سلسلة من “المجازر المأساوية” التي حصدت أرواح أكثر من 8900 حاج في السنوات الماضية نتيجة سوء الإدارة والعشوائية المتكررة:

 

– مأساة تنومة (1921م) كانت من أوائل المجازر الحديثة، حيث وقعت قافلة حجاج يمنية كبرى (أكثر من 3 آلاف حاج) في كمين لقوات النار السعودية بوادي تنومة وحُولت إلى صيد دموي.

 

– الاختناق والغازات في نفق المعصم (يوليو 1990): أسفرت الحادثة عن مقتل 1426 حاجاً (معظمهم من آسيا). وبينما تذرعت الرواية الرسمية بعطل في نظام التهوية، فجرت مصادر غير رسمية مفاجأة بكشفها أن الوفيات الحقيقية بالآلاف وجاءت إثر إطلاق غازات سامة كغاز الخردل داخل النفق.

 

– تدافع منى الأكبر (سبتمبر 2015) قيدت السلطات الضحايا بـ 769 قتيلاً فقط، في حين قادت وكالة “أسوشييتد برس” تحقيقاً مستقلاً عبر تتبع بيانات الدول ورعاياها المؤكدة، ليرتفع الرقم الحقيقي إلى أكثر من 2121 قتيلاً.

 

– سلسلة الكوارث الإنشائية والصحية: من سقوط رافعة مكة في سبتمبر 2015 (111 قتيلاً)، وانهيار فندق لؤلؤة الخير عام 2006 (76 قتيلاً)، وحرائق منى الضخمة (مثل حريق 1997 الذي خلف 343 قتيلاً)، وصولاً إلى الانهيارات الصحية وتفشي وباء التهاب السحايا بمكة بنحو 10,000 إصابة نتيجة التكدس وسوء الرعاية.

 

سيف التسييس.. الابتزاز والمنع والمصائد الأمنية:

يتحكم النظام السعودي بقوانين ولوائح تصاريح الحج المعقدة ليعيد صياغتها كأداة عقاب سياسي ومادي ضد المجتمعات، حيث قفز عدد الممنوعين من الحج قبل أزمة كورونا إلى أكثر من مليوني حاج من مختلف أنحاء العالم.

 

الابتزاز بالعملة الصعبة: في عام 1959م، منع النظام حجاج مصر من الدخول ما لم يدفعوا بالعملة الصعبة (الجنيه الإسترليني أو الدولار).

– العقاب الجماعي للشعوب: مع إعلان العدوان على اليمن في مارس 2015، جرى تسييس الفريضة بشكل فج عبر منع الشعب اليمني من الحج، وهو ما طُبق قبله على الشعب السوري.

 

– تحويل الحرم إلى مصيدة أمنية ومسرح قمع: يُستغل موسم الحج والعمرة لاصطياد واعتقال الشخصيات المطلوبة لأمريكا و”إسرائيل”. كما واجهت السلطات أي تحرك سلمي أو شعار سياسي بالقوة المميتة، كما حدث في يوليو 1987 حين اعتدت قوات الأمن على حجاج إيرانيين رفعوا صور المسجد الأقصى والخميني، ما أسفر عن مقتل 328 حاجاً وإصابة 649 آخرين

 

تسليع الحج.. كتل إسمنتية وبضائع صهيونية**

لقد جردت العقلية التجارية مكة المكرمة من روحانيتها وجوهرها الإيماني، تم تحويل العاصمة المقدسة إلى غابة من الأبراج الهائلة والكتل الإسمنتية الضخمة التي تخدم الفنادق الفارهة، وتزامن ذلك مع طمس معالم السيرة النبوية عبر هدم البيت الذي وُلد فيه النبي محمد، وهدم بيت أم المؤمنين خديجة، وبعثرة رفات الشهداء في مكة.

 

وفي المقابل، يتم التضييق على الحجاج عبر تكفير الزوار بتهم الشرك، ونهر من يدعو جوار القبر النبوي، ورفع أسعار الحج بشكل خيالي ليصبح حكراً على الأثرياء. والأدهى من ذلك، هو إغراق أسواق مكة والمشاعر ببضائع كثيفة مصنعة بالكامل من قِبل شركات أمريكية وإسرائيلية مع تعمد تغييب البدائل الوطنية أو الإسلامية

 

مفارقة الأولويات.. المليارات للترفيه والعشوائية للحج!

تتجلى الفضيحة الإدارية في المقارنة الصارخة بين “مواسم الترفيه” و”موسم الحج”. ففي الوقت الذي يستنفر فيه النظام كل طاقاته اللوجستية والمادية، ويضخ مليارات الدولارات لتنظيم الحفلات والمهرجانات الترفيهية بدقة متناهية وتسهيلات غير مسبوقة، يُترك موسم الحج -وهو الركن الإسلامي المقدس والعظيم- لعشوائية متعمدة وتضييق إداري ومالي خانق.

 

وهي مفارقة تدفعنا للنظر إلى تجارب إسلامية أخرى؛ حيث تشهد ساحة الإمام الحسين في كربلاء خلال مراسم الأربعينية تدفقاً بشرياً هائلاً يتراوح بين 15 و17 مليون زائر سنوياً، ورغم أن هذا الرقم يعادل أضعافاً مضاعفة عدد حجاج مكة، إلا أن إدار هذه الحشود الضخمة يجري بسلاسة وسلامة دون تسجيل أي حوادث تذكر او حالات اختناق في عملية سنوية تتم بوئام واجواء إيمانية تمثل محركا روحيا يحول بين وقوع المصائب والوفيات والاصابات و بانسحاب كامل وهو ما يثبت أن الخلل في موسم الحج في مكة ليس في “حجم الحشود” بل في “عقلية الإدارة”.

 

لماذا يرفضون التدويل؟

أمام هذه السلسلة الطويلة من الفجائع والحرائق المقترنة بالتكسب المالي والابتزاز السياسي، رفعت بعض الدول الاسلامية مطالبها بتدويل إدارة الحج ضمن مجموعة دول بالتشارك او وفق جدول زمني محدد تستلم كل دولة إدارة الموسم سنويا وهكذا، وهو مطلب محق ومبرر لعدة اعتبارات منها ما ذكرناه واوردناه من الكوارث والمجازر الناجمة عن سوء ادارة يذهب الكثيرون الى ان معظمها متعمدة كما يبدو من سياقها، فضلا عن ان مكة والمعالم المقدسة فيها هي في الحقيقة وقف إسلامي عام لا يحق لنظام او جهة تملكها او التفرد بإدارتها، فكيف وقد بدى ما بدى من سوء نواياها وثبت ما شهدناه من الجرائم المتعمدة او تلك الناجمة عن سوء الاهمال والتساهل

 

وأمام رائحة الفشل الإداري التي فاحت في الأرجاء وتجلت واضحة للعالم الإسلامي بأكمله لم يعد هناك أي مبرر منطقي أو شرعي لرفض بني سعود تدويل إدارة الحج سوى الرغبة في استمرار استغلال هذه الشعيرة كأداة سلطوية وورقة ضغط تجارية وسياسية وسياحية، ولعله قد تأخر الوقت كثيرا لتنتقل إدارة الحرمين الشريفين إلى هيئة إسلامية مشتركة تحمي دماء المسلمين، وتُعيد للحج قدسيته الروحانية التي طمستها كتل الإسمنت وعقلية الترفيه.

التعليقات مغلقة.