هل تستمع الهواتف إلينا؟ خبير رقمي يكشف حقيقة الإعلانات الموجهة ومخاطر تآكل الخصوصية
أثار الانتشار الواسع للإعلانات الموجهة على منصات التواصل الاجتماعي تساؤلات متزايدة لدى المستخدمين حول ما إذا كانت الهواتف الذكية تقوم بالتنصت على المحادثات الصوتية، في ظل تكرار ملاحظات تتعلق بظهور إعلانات لمنتجات أو أشخاص جرى الحديث عنهم قبل وقت قصير.
وفي هذا السياق، أكد الخبير في الأمن الرقمي المهندس أحمد الخزان أن ما يعتقده كثيرون على أنه «تنصت صوتي» ليس في حقيقته سوى تنبؤ سلوكي عالي الدقة ناتج عن جمع وتحليل ضخم للبيانات، مشددًا على أنه لا توجد أدلة تقنية موثقة تثبت تشغيل الميكروفون بشكل دائم لأغراض إعلانية.
وأوضح الخزان أن آلية الاستهداف الإعلاني تقوم على شبكة واسعة من أدوات التتبع الرقمية، تشمل سجل التصفح، وأنماط التفاعل داخل التطبيقات، ومدة المشاهدة، والموقع الجغرافي، وتوقيت الاستخدام، إضافة إلى ربط هذه البيانات بين الأجهزة والحسابات المختلفة، ما يؤدي إلى بناء ملف رقمي متكامل لكل مستخدم.
وبيّن أن الخوارزميات ترصد التفاعلات التي يتم التراجع عنها، ومدة التوقف عند المحتوى، والعلاقات الاجتماعية، والاهتمامات المشتركة، ثم تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بمقارنة هذه البيانات بملايين المستخدمين لتحديد الفئة السلوكية الأقرب، وبالتالي عرض إعلانات شديدة التوافق مع الاهتمامات المتوقعة.
وحول الحالات التي يظهر فيها أشخاص أو حسابات مقترحة بعد لقاء عابر، أشار الخزان إلى أن الأمر غالبًا ما يرتبط بتشارك الموقع الجغرافي، أو الاتصال بنفس شبكة الإنترنت، أو التواجد ضمن نطاق برج اتصال واحد، ما يجعل الخوارزميات تستنتج وجود علاقة محتملة دون الحاجة إلى أي تنصت صوتي.
وأكد أن الإحساس بالتنصت ناتج عن دقة التنبؤ الخوارزمي وليس عن استماع فعلي، موضحًا أن استخدام البحث الصوتي أو المساعدات الذكية يتم بناءً على صلاحيات صريحة يمنحها المستخدم بنفسه، وهو ما يسمح بجمع بيانات صوتية في إطار معلن.
وفي الجانب القانوني، أوضح الخزان أن شركات التقنية الكبرى تعتمد على البيانات بوصفها قلب نموذجها الاقتصادي، حيث يمول الإعلان الموجه معظم الخدمات المجانية، لافتًا إلى أن هذه الشركات تعمل ضمن مساحات قانونية رمادية، مستفيدة من سياسات خصوصية طويلة ومعقدة يوافق عليها المستخدمون دون الاطلاع على تفاصيلها.
وحذّر الخزان من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الإعلان المزعج، بل في تراكم المعرفة الدقيقة عن الأفراد، ما يفتح الباب للتأثير النفسي والتجاري، وقد يتجاوز ذلك إلى توجيه الرأي العام أو الاستغلال السياسي والأمني، إضافة إلى مخاطر تسريب قواعد البيانات الضخمة.
وفيما يتعلق بقدرة المستخدم على حماية خصوصيته، أكد الخبير أن الخصوصية الكاملة أصبحت شبه مستحيلة في ظل استخدام الهواتف الذكية، إلا أنه شدد على إمكانية تقليل حجم التتبع عبر تقييد أذونات التطبيقات، وتعطيل تخصيص الإعلانات، ومراجعة صلاحيات الميكروفون والموقع، وعدم مشاركة البيانات الشخصية دون ضرورة.
وخلص إلى أن معركة الخصوصية في العصر الرقمي تكون في إدارة وعي، قائلًا: «كل خطوة تقلل فيها من بياناتك تقلل من حجم استهدافك، والسؤال اليوم لم يعد: هل الهاتف يستمع إلينا؟ بل: كم يعرف عنا دون أن نتحدث؟».
التعليقات مغلقة.