أبعاد وتداعيات علاقة كيان العدو الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال الانفصالي وسيناريوهات المواجهة
قفزت مستويات العلاقة بين كيان العدو الإسرائيلي وإقليم “أرض الصومال” الانفصالي (صوماليلاند) إلى مستوى التحالف العسكري والأمني واللوجستي العلني، عقب الزيارة الرسمية لرئيس الإقليم في منتصف يونيو 2026 إلى يافا والقدس المحتلتين.
ويأتي هذا التطور تتويجاً لإعلان الكيان الصهيوني اعترافه المنفرد بالإقليم كـ”دولة مستقلة” في 26 ديسمبر 2025.
ومن خلال التقارير الميدانية والدراسات الأمنية الصهيونية، والتصريحات الرسمية، يمكن تفكيك الأبعاد والأهداف الجيوسياسية لهذه العلاقة، مع تحديد سيناريوهات المواجهة المرتقبة في ظل المعادلات التي فرضتها القوات المسلحة اليمنية في البحر الأحمر وباب المندب، خلال معركة طوفان الأقصى، ومعادلة الردع الإيرانية خلال المواجهة الأخيرة في هرمز.
جذور العلاقة
جاء الاعتراف الصهيوني بأرض الصومال انعكاساً لمسار تبلور أولاً داخل المؤسسات الأمنية ومراكز الفكر “الإسرائيلية” قبل انتقاله إلى المستوى السياسي الدبلوماسي.
ففي 10 ديسمبر 2025، نشر معهد الأمن القومي الصهيوني (INSS) دراسة بقيادة مدير شعبة الاستخبارات العسكرية السابق “تامير هايمان” بعنوان “إسرائيل في ساحة البحر الأحمر”، أكدت أن ما يسمى بـ”تل أبيب” تنظر إلى أرض الصومال كشريك إستراتيجي لمواجهة النفوذ الإسلامي، وتأمين طرق الشحن، والبحث عن خيارات عملية في محيط البحر الأحمر على وقع التحديات اليمنية.
بعد أسبوعين فقط من هذه الدراسة، أعلن رئيس الوزراء الصهيوني “بنيامين نتنياهو” توقيع اتفاقية اعتراف متبادل كاملة، تلاها في يونيو 2026 افتتاح أول سفارة للإقليم في القدس المحتلة، وتوقيع إعلان مشترك لتعزيز التعاون العسكري والدفاعي.
وفي هذا السياق، أقر وزير دفاع صوماليلاند، المدعو محمد يوسف علي، علناً بوجود مستوى متقدم ومباشر من التعاون العسكري والأمني مع كيان العدو.
وفي تصريحات أدلى بها لوكالة “رويترز” على هامش منتدى اقتصادي نظمته وزارة الخارجية “الإسرائيلية” في يافا المحتلة “تل أبيب”، أكد الوزير أن كيان العدو إسرائيل يساعد بالفعل في تقديم برامج تدريب ودعم لقوات الشرطة والجيش في أرض الصومال “صوماليلاند”.
ورغم محاولة الوزير طمأنة الأطراف الإقليمية والدولية بحديثه عن أن القواعد العسكرية الدائمة للعدو ما هي إلا “شائعات”، إلا أن المراقبين اعتبروا إعلانه بمثابة اعتراف رسمي بانتقال العلاقات العسكرية إلى العلن، وتحويل الإقليم إلى بؤرة نفوذ أمني صهيوني مباشر.
وفي مقابلة لموقع «واي نت» الإخباري العبري التابع لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، عبّر وزير خارجية الإقليم، عبد الرحمن ضاهر آدم، عن ولائه المطلق للكيان الصهيوني بمفردات الثناء والمدح، وإظهار الاستعداد للعمل والتعاون في أي مجال، سواء كان اقتصادياً أو أمنياً أو سياسياً، غير مستبعداً إقامة كيان العدو الإسرائيلي قاعدة عسكرية في الأراضي الصومالية.
ونشر الرئيس المزعوم لإقليم أرض الصومال على صفحته في منصة أكس عدد من التغريدات التي تؤكد مدى العلاقة التأمرية، بينه وبين كيان العدو الإسرائيلي وقياداته الحالية، ضد الشعب الصومالي، كان منها تغريدات المدح والثناء، والإشادة مع نشر صور له مع مجرم الحرب نتنياهو وغيره من القيادات الصهيونية في الكيان الغاصب.
ترتيبات لإنشاء قاعدة عسكرية صهيونية في “بربرة”
على عكس النفي الدبلوماسي لسلطة هرجيسا، أكدت مصادر عبرية وغربية (مثل بلومبرغ، وإسرائيل هيوم، وموقعWar\ on\ the\ Rocks) أن لقاءات رئيس الإقليم بوزير الدفاع الصهيوني، “يسرائيل كاتس”، بحثت بشكل مباشر وعملي إقامة وجود عسكري دائم.
ونقلت إذاعة إيكوت السويدية عن مصادر داخل حكومة أرض الصومال الانفصالي “صوماليلاند” أن التخطيط يتجه فعلياً لإنشاء قاعدة عسكرية صهيونية بمحاذاة مدينة وميناء “بربرة” الاستراتيجي المطل على خليج عدن، وذلك كـ”رد صهيوني مباشر” على المعادلات الأمنية التي فرضتها القوات المسلحة اليمنية في البحر الأحمر وباب المندب.
وكشف تحقيق موسع نشرته شبكةCNN الأمريكية أن أرض الصومال باتت جزءاً فعالاً وضمن شبكة أوسع من المواقع السرية التي استخدمها سلاح الجو الصهيوني خلال مواجهته العسكرية المباشرة مع إيران وحلفائها في المنطقة، حيث أفاد التقرير بأن موقعاً في أرض الصومال، وفر لكيان العدو نقطة لوجستية إضافية ومحطة إسناد أو توقف للطائرات “الإسرائيلية” في رحلاتها بعيدة المدى، مما يجعل أراضي القرن الإفريقي ساحة مواجهة مفتوحة ومكشوفة أمام الحسابات العسكرية الإقليمية.
وتأتي هذه التحركات والانكشاف الأمني لإقليم أرض الصومال في توقيت تشهد المنطقة فيه تصاعداً للحرب المباشرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومعه محور الجهاد والمقاومة، وأمريكا وكيان العدو الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، يرى وزير الخارجية الصهيوني، جدعون ساعر، أن التنسيق الأمني والعملياتي للكيان في تلك المنطقة يجري منذ زمن بعيد عبر قنوات خلفية، واليوم حان الوقت بتحويله إلى تموضع عسكري ونشاط علني دائم في البحر الأحمر.
القيمة الجيوسياسية والعملياتية لأرض الصومال في الحسابات الصهيونية
تنبع أهمية الإقليم للكيان الصهيوني من عاملين متلازمين: الجغرافيا العسكرية الحاكمة، وعمالة قيادة الإقليم الانفصالي، تحت مسمى البراغماتية السياسية لسلطة هرجيسا المستعدة لمقايضة الجغرافيا بالاعتراف.
ويتمثل العامل الأول في الارتكاز البحري وبديل الموانئ المفلسة، حيث يمثل البحر الأحمر شريان الحياة للكيان، ويمر عبره قرابة 12% من التجارة البحرية العالمية.
وبعد نجاح الحصار البحري اليمني في فرض العزلة على ميناء أم الرشراش “إيلات” الجنوبي ووصوله إلى حالة الإفلاس الفعلي، بات الكيان يبحث عن نقاط ارتكاز مرنة لإعادة التزود بالإمدادات اللوجستية في خليج عدن والمحيط الهندي.
ويتمثل العامل الثاني في تقليص الفارق الزمني والعمل العملياتي القريب، حيث تمتد سواحل أرض الصومال على طول 740 كيلومتراً، وتتموضع على مسافة تتراوح بين 300 إلى 500 كيلومتر فقط من المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة اليمنية وميناء الحديدة.
وهذا القرب الجغرافي يمنح كيان العدو الإسرائيلي ميزة عملياتية، لزرع رادارات ومنظومة تجسس متطورة لرصد منصات الصواريخ والطائرات المسيرة اليمنية قبل إطلاقها، مع تقليص الفارق الزمني اللازم لاعتراض الهجمات، وإيجاد محطات إسناد وتوقف لوجستي لطائرات سلاح الجو الصهيوني في رحلاتها بعيدة المدى، وتسهيل ضرب خطوط الأسلحة والإمداد اليمني.
وفي السياق، يرى معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني أن التحالف مع أرض الصومال يطابق الوظيفة الإستراتيجية التي أداها التحالف مع أذربيجان في محاصرة إيران واختراق خاصرتها استخباراتياً وعسكرياً، مع فارق الساحة وطبيعة التهديد اليمني.
أوراق التنازلات
تؤكد المعطيات الاستخباراتية وصور الأقمار الصناعية أن سلطة هرجيسا قدمت تنازلات سيادية لترسيخ هذا الاعتراف، وتجري الترتيبات على قدم وساق لإنشاء قاعدة عسكرية صهيونية بمحاذاة مدينة وميناء “بربرة” الإستراتيجي المطل على خليج عدن.
ومن هذه التنازلات، رصدت التقارير الاستخباراتية (منصة جيسكا وصحيفة لوموند) أعمال تطوير هندسية متسارعة في مطار بربرة شملت خنادق عميقة، منشآت تحت الأرض، ومنصات مرتفعة مخصصة لتخزين الذخائر الصاروخية ونصب منظومات إنذار مبكر صهيونية، وتدار هذه العمليات بتنسيق وتمويل إماراتي مباشر، مستغلة نفوذ شركة “موانئ دبي العالمية” التي تدير الميناء والمنطقة الحرة هناك.
وتدخل مقايضة الجغرافيا والملف الفلسطيني (التوطين) في هذا الصدد، حيث كشفت التقارير السياسية عن انفتاح الإقليم على قبول “إعادة توطين أهالي قطاع غزة” في أراضيه (البالغ عدد سكانها نحو 3 ملايين نسمة)، مما يمثل انخراطاً صهيونياً-انفصالياً في مشاريع تصفية القضية الفلسطينية مقابل كسب الشرعية الدبلوماسية، وهو امتداد لسياسة الإقليم التي ظهرت عام 2024 حين وقع مذكرة تفاهم مع إثيوبيا لمنحها شريطاً ساحلياً بطول 20 كم لبناء قاعدة بحرية مقابل الاعتراف بها.
ردود الفعل ومواقف الرفض
أثارت هذه الخطوة الصريحة في الأحضان الصهيونية موجة غضب وتنديد واسعة النطاق، حيث أدانت الحكومة الفيدرالية الصومالية في مقديشو برئاسة حسن شيخ محمود الاعتراف والتقارب الصهيونيين، ووصفتهما بالانتهاك الصارخ لسيادة الصومال ووحدته الترابية، محذرة من أن إنشاء قواعد أجنبية مشبوهة سيزيد من عدم الاستقرار في القرن الإفريقي.
بدورها، أدانت منظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأفريقي الخطوة رسمياً، محذرين من تعقيد التوازنات السياسية، فيما أطلقت فصائل صومالية في مقدمتها حركة الشباب، تهديدات صريحة باستهداف سلطة هرجيسا ومصالح الكيان، مما يفتح الباب أمام تحذيرات من أن أي حضور للعدو الإسرائيلي في بربرة سيرفع احتمالات الحروب بالوكالة ويجعل الإقليم في مرمى ضربات القوات المسلحة اليمنية مباشرة.
التعليقات مغلقة.