رسائل النار والاستخبارات.. الضربة الاستباقية الكبرى تُسقط مراهنات التصعيد

شكّلت العملية الأخيرة لقواتنا المسلحة الفتية صدمة استراتيجية تتجاوز حدود الجغرافيا الصحراوية التي شهدت الضربات الباليستية والمسيّرة، وخطوة مفصلية تعكس تحولًا بارزًا في قواعد الردع وقدرات الرصد الميداني، وتؤكّد أن معادلة “الحصار بالحصار” باتت تمتلك ذراعًا طولى قادرة على شل نقاط التجميع خلف خطوط التماس التقليدية.

 

 

وفي التفاصيل؛ فإنّ استهداف القوات المسلحة سلسلة المعسكرات والتحشيدات للعدو السعودي والمتزامنة في “الرويك والعبر والثنية” وصولًا إلى منطقة الوديعة الحدودية، يُعبِّر عن ضربةٍ استباقية وإجهاضٍ مبكر لمخطط عسكري كان في طور إعداده النهائي، وعن انكشافٍ لوجستي كامل لخطوط الإمداد الحيوية التي تربط عمق العدو الحدودي بجبهاته الشرقية.

 

ويرى مراقبون أن اختيار هذه الرقعة الجغرافية الممتدة بين مأرب وحضرموت وشبوة والحدود الشرقية والشمالية الشرقية يحمل دلالة عسكرية بالغة الأهمية؛ فهذه المناطق تشكّل الشريان الحيوي والعمود الفقري لأيّة ترتيبات عسكرية سعودية أمريكية في تلك المنطقة، واستهدافها بشكّلٍ متزامن يعكس امتلاك قواتنا المسلحة لبيئة استخباراتية دقيقة قادرة على تتبع الخريطة اللوجستية للعدو واختراق ترتيباته في مراحلها الأخيرة.

 

ويؤكّد مراقبون أن هذا الواقع يُحرم العدو من وجود أيّة مناطق آمنة للتجمع أو الإعداد والتحشيد، ويرسل رسالة صارمة ومباشرة مفادها أن الاستجابة لأيّة محاولة تصعيد لن تكون دفاعية في مواقع المواجهة فحسب، وإنّما ستطال العمق التكتيكي والمناطق الخلفية بكفاءةٍ عالية.

 

العملية النوعيّة الواسعة امتدت لتُسجل اختراقًا في جدار الحرب النفسية والتعبوية، ولم تقف عند حدود البعد الناري وما أسفرت عنه من خسائر بشرية ومادية تمثلت في سقوط المئات بين قتيل وجريح وتدمير مخازن الأسلحة والآليات؛ فقد جاءت دعوة العميد سريع للمجندين المحسوبين على العدو السعودي لمغادرة المعسكرات والعودة إلى أسرهم تكتيكًا مزدوجًا عمل على إيجاد حالة من الإرباك والتردد في صفوف المقاتلين المرتزقة عبر تخييرهم بين الاستفادة من منافذ الخروج المتاحة أو مواجهة ضربات حتمية.

 

ويُبرز انتقال قوتنا المسلحة إلى تنفيذ ضربات استباقية وقائية ضد الأهداف العدوانية، سعيًا واعيًا لتفكيك الجبهة الداخلية للخصم بالتوازي مع الضغط العسكري المباشر، ويأتي ضمن استراتيجية تهدف إلى حرمان العدو السعودي ومرتزقته من حرية اختيار توقيت ومكان أيّ تصعيد عسكري قادم.

 

وتأتي هذه العملية في ظل استمرار العدوان والحصار على الشعب اليمني منذ 12 عامًا، والتصعيد والتحشيد العسكري السعودي في عددٍ من الجبهات منذ بدء عملية “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد” لتشتيت الرأي العام الداخلي والخارجي عن مطالب الشعب المحقة والمتعلقة بالحرية والسيادة والاستقلال.

 

وفي مثل هذه الظروف حسمت القوات المسلحة اليمنية مراحلها وخياراتها تدريجيًا مع استمرار المماطلة والتحشيد للعدو وتجاهل مطالب الشعب وتحذيرات السيد القائد الأخيرة من قصف مطار “أبها” إلى استهداف السفن في البحر الأحمر وإغلاق باب المندب والعملية العسكرية الواسعة اليوم والتي غيرت موزين الردع والضغط على العدو للقبول برفع الحصار وإنهاء العدوان.

 

وبالنتيجة؛ تضع هذه العملية مسار الأحداث أمام مرحلةٍ جديدة من تثبيت معادلات القوة؛ إذ إن التمسك بفرص معادلة “الحصار بالحصار” ودعوة الشارع اليمني إلى استمرار الاستنفار لمواجهة أيّة تحركات جديدة، يؤكدان أن الخيار العسكري واللوجستي بات مُسخّرًا بالكامل لخدمة هدف سياسي وإنساني محدّد يتمثل في كسر الحصار، وأن أيّة مراهنةٍ على إعادة ترتيب الأوراق العسكرية في الشرق ستواجه باستجابة استباقية تحول مناطق التحشيد إلى مأزق ميداني وسياسي يرفع كلفة التصعيد على

نحوٍّ غير مسبوق.

 

التعليقات مغلقة.