السيد القائد: المعادلة القرآنية لزوال التيه.. فاتورة الانتظار ومتطلبات النصر
قدّم السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- في محاضرته الرمضانية التاسعة قراءةً عميقة تتجاوز الرصد السياسي الروتيني للمشهد العام للأمة، ليضعها أمام حقائق وجودية تكشف الفوارق الجوهرية بين الحتمية الإلهية والمسؤولية البشرية، مرسخًا معادلة قرآنية لزوال التيه الذي تعيشه الأمة، ما بين فاتورة الانتظار ومتطلبات النصر.
عندما يتحدث السيد القائد عن زوال كيان العدو الصهيوني، يؤصله كحقيقةٍ غيبية إلهية ويقين قرآني لا يتسرب إليه الشك أبدًا، وليس مجرد احتمالية، لذلك، يستنطق المسكوت عنه في هذا الوعد، وهو التكلفة البشرية والزمنية؛ فالحقيقة التي أراد السيد إرساءها، أنّ زوال كيان العدو هو مسار ديناميكي تتحكم إرادة الشعوب ومواقفها في طول مدته وكلفة ضريبته.
رسالة محورية أراد السيد القائد إيصالها لشعوب الأمة، وهي أنّ التأخير في حسم المواجهة هو هدر للوقت، ونزيف مستمر في الأرواح والثروات والكرامة، وأنّ الصمت الشعبي والانقياد للأنظمة المطبعة يمثلان وقودًا يطيل أمد البقاء الزائف لهذا الكيان، واضعًا معادلة استراتيجية بقوله: إنّ “للموقف علاقة بمسألة أن يتحقَّق هذا الوعد في وقتٍ مبكِّر، أو أن يتأخر، وتكون الأثمان كبيرة جدًّا، والنتائج خطيرة جدًّا؛ فتقليل المدَّة، وتقليل الأثمان، أو تطويل المدَّة، وتعظيم الأثمان؛ يتعلَّق كل هذا بموقف الأُمَّة”، وعليها أنّ تختار.
وينتقل السيد القائد ليحلل سيكولوجية العدو الصهيوني بمنظار قرآني وواقعي في آن واحد، كاشفًا عن عقيدة الاستعلاء العرقي التي تحكم سلوك الصهاينة، حيث ينظرون إلى أنفسهم كبشرٍ حقيقيين وإلى الآخرين كـ “حيوانات بشرية”، وهذا التوصيف هو تفسير بنيوي لجرائم الإبادة الجماعية وسرقة الأعضاء البشرية وجلود الشهداء في غزة، واستنطاق هذه المعطيات المقززة رغم أنها باتت معروفة ومكشوفة، حتى لدوائر أممية؛ يهدف إلى إحداث صدمة للوعي لدى الشعوب التي لا تزال تراهن على عناوين “السلام” و”التطبيع”.
السيد القائد يفكك هذه العناوين بوصفها أدوات تخدير وتدمير، مؤكّدًا أنّ الأنظمة التي تسير في هذا الركب لا تجلب السلام، وإنّما تمكّن العدو من رقاب الأمة وتمنحه الغطاء لمواصلة مشروع ما يسمى (إسرائيل الكبرى) التي تمتد أطماعها لتجريد دول عربية مثل لبنان من عناصر قوتها ومحاولة الهيمنة المطلقة على القرار السياسي والاقتصادي للمنطقة برمتها، والتي لا ولن تتوقف عند حدود فلسطين.
وفي قراءته للتاريخ وسنن الاستبداد، يكسر السيد القائد صنمية القوة التي ترهب الكثيرين؛ فالمقاربة بين الكيان الصهيوني والإمبراطوريات السابقة كبريطانيا التي “كانت لا تغيب عنها الشمس” تهدف إلى تحطيم الهزيمة النفسية التي تشعر بها شعوبنا، وانتشالها من التيه الذي تعيشه.
والرسالة الموجهة هُنا هي أنّ الضخامة العسكرية والتقنية ليست ضمانة للبقاء أمام السنن الإلهية والمواقف المبدئية الصارمة والجادة؛ فالعدو الذي يبدو اليوم كقوةٍ مطلقة، هو في الحقيقة كيان منتهي الصلاحية أخلاقيًّا وتاريخيًّا، لكن بقاءه المادي مرهون بمقدار الوهن في جسد الأمة.
ويبرز النقد اللاذع لمن يتعاملون مع الوعود القرآنية بذهنية “المعلبات الغذائية” ذات التاريخ المحدّد، مؤكّدًا أنّ القرآن الكريم كتاب “سنن جارية” وليس سجلات تاريخية غابرة، وأنّ قوله تعالى: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} يمثل القانون الصارم الذي يحكم الصراع؛ فعودة الإفساد الصهيوني تستوجب بالضرورة عودة الانتقام الإلهي عبر أيدي المؤمنين المتحركين، وهي معادلة صفرية لا تقبل القسمة على الحلول الوسط أو المبادرات الهزيلة.
ويتضح أنّ السيد القائد يربط بين تقليل “الأثمان الكبيرة” وبين سرعة التحرك الشعبي والجهادي؛ فاستمرار القتل في غزة، واستهداف حزب الله في لبنان، والسعي للسيطرة على المقدسات، كلها معطيات تصب في خانة واحدة، أنّ “الكلفة ستكون باهظة جدًا إذا استمر التوجه الأعمى للأنظمة واليأس الشعبي من جدوائية المواجهة”.
مسار التبيين الذي ينتهجه السيد القائد يسعى لنزع الغموض عن نوايا العدو المعلنة؛ فالعدو بات “متحكِّمًا في كلِّ المجالات وعلى كلِّ المستويات، في عدائه للإسلام، للقرآن، للرسول -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ- للمقدَّسات، لمبادئ الإسلام، هو عدوٌ صريح وواضحٌ”، واضعًا الشعوب أمام مسؤوليتها التاريخية؛ فإمّا التحرك في المسار الصحيح الذي يحفظ الدين والأرض والعرض بأقل الأثمان؛ وإمّا البقاء في دائرة الانتظار السلبي الذي لا يغيّر من حتمية الزوال، ولكنه يرفع فاتورة الدماء إلى مستويات كارثية قبل الوصول إلى لحظة الانهيار الصهيوني المحتوم.
وعليه؛ فإنّ السيد القائد وفي إطار هذه المحاضرة يدعو شعوب الأمة لاستعادة البوصلة الإيمانية من خلال العودة الصادقة إلى الله سبحانه وتعالى ومعرفته والثقة بوعوده، واليقين بأنّ قوة العدو ليست سوى فقاعة تاريخية ستنفجر بمجرد أنّ تستعيد الأمة إرادتها وتؤمن بجدوى مسارها الجهادي القرآني.
التعليقات مغلقة.