من “الاستعلاء” إلى “الاستجداء”.. ترامب يفشل في توزيع الفشل والهزيمة بين الشركاء

تتزايد أبعاد الفشل الأمريكي في المنطقة بشكل أكثر وضوحاً، في ظل مجريات الميدان، وما يوازيها من تصريحات متتابعة للرئيس ترامب خلال الساعات الأخيرة، والتي أقر فيها بوصول واشنطن إلى مستنقع الردع الإيراني، سيما فيما يتعلق بمضيق هرمز، ما دفعه إلى إعلان الاستجداء المباشر لإخراجه من هذا المخنق، غير أن هذا الاستجداء غير المسموع فتح باباً جديداً للمأزق.

 

 

الجمهورية الإسلامية في إيران تمكنت من إحكام قبضتها على مضيق هرمز، ناسفةً بذلك كل مزاعم الرئيس الأمريكي بشأن تلاشي قوتها البحرية وقوتها العسكرية بشكل عام، لتنعكس هذه الورقة الرادعة بارتدادات عكسية تأكل النفوذ الأمريكي العسكري والسياسي والاقتصادي والاستراتيجي، ليتحول ترامب إلى “جلاب” يسعى لإدخال دول عديدة في الورطة، بغرض تقاسم الفشل والكلفة، ومحاولة الخروج قبل الغرق التام.

 

وبعد جملة تصريحات خلال الـ 48 ساعة الماضية، بدأها بدعوة دول الخليج للمشاركة في فتح مضيق هرمز بحجة حماية مصالحها وتمرير نفطها، غير أن الذعر الخليجي حال دون الاستجابة، ليلجأ بعدها الرئيس الأمريكي إلى طرق الباب الصيني بذريعة أن بكين تستورد 90% من النفط عبر المضيق، ويجب عليها المشاركة لفتحه، متناسياً حقيقة المعادلة الإيرانية التي تتيح للحلفاء والخارجين عن العربدة الصهيوأمريكية حرية المرور، ما جعله يظهر كالمهرج في زحام المسرح.

 

وعقب تلك التصريحات التي أظهرت جانباً من التيه الأمريكي، لجأ ترامب إلى دعوة حلفائه الغربيين، ولكن بلغة متغطرسة مليئة بالتمنن والاستعلاء، لكن الذريعة كانت ذاتها: “يجب على الدول الأوروبية التي تستورد النفط من الخليج دفع قوات عسكرية لحماية مصالحها المتوقفة على إغلاق مضيق هرمز، عليهم هم أن يدافعوا عن مصالحهم وليس الولايات المتحدة”، إلى غير ذلك من العناوين المشابهة، التي سرعان ما تحولت إلى إقرار ترامبي بأن دعواته تهدف بالأساس إلى الاستنجاد من الكماشة الإيرانية.

 

ففي البداية، كان ترامب يروج لفكرة دعوته لحلف شمال الأطلسي “الناتو” للمشاركة في العمليات الأمريكية على أنها حماية لمصالح الشركاء والدول، زاعماً أن واشنطن تتحمل أعباء كبرى في الدفاع عن حلفائها. لكن تصريحاته الأخيرة قلبت هذا المنطق رأساً على عقب، إذ اعترف أن الولايات المتحدة تنفق تريليونات الدولارات على الناتو للدفاع عن دول أخرى، ولكنه كان يخشى في الوقت نفسه ألا يدافع الحلف عن مصالح أمريكا حين تحتاجها، ما يكشف حقيقة الاستجداء “الترامبي”.

 

وفي تصريح جديد له، الليلة، قال ترامب: “ننفق تريليونات على النيتو للدفاع عن بلدان أخرى وكنت أقول إنه لن يدافع عنا حين نحتاجه”، في اعتراف صريح بأن واشنطن تعيش في ورطة لا تقدر على الخروج منها، فضلاً عن كون هذا الاعتراف انكشافاً لعجز الولايات المتحدة عن جلب الحلفاء الأوروبيين إلى تحمل تبعات العدوان على إيران، بعد أن أثبتت طهران قدرتها بكفاءة ميدانية عالية.

 

هذه التصريحات تبرز تحول خطاب ترامب من محاولة تصوير أمريكا كزعيمة حماية جماعية لمصالح الشركاء، إلى عنصر يستجدي علناً الدول الشريكة والحليفة للدفاع عن الولايات المتحدة نفسها ومشاركتها الهزيمة والكلفة والفشل.

 

وبهذا المعنى، فإن المأزق الأمريكي تحول إلى أزمة استراتيجية متكاملة، حيث أقر ترامب بنفسه أن المغامرات الأمريكية أفضت إلى نتائج أكثر كارثية، وأن الحلفاء الأوروبيين لا يبدون التزاماً فعلياً بمساعدة أمريكا، وهذا يبرز أيضاً مدى تأثير الردع الإيراني الذي جعل الجميع ينأى بنفسه عن الورطة، فارضاً تصدعات على التحالفات التقليدية الغربية.

 

وبناءً على ذلك، يوضح تسلسل تصريحات ترامب الأخيرة أن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها أمام خيارين: إما الاعتماد على حلفاء مترددين وغير ملتزمين لتحمل أعباء المعركة، أو إعلان الهزيمة العسكرية والاستراتيجية على الأرض وتحمل كل تبعاتها، والتي قد تشمل تآكل نفوذ واشنطن في المنطقة وفقدان السيطرة على معادلات الردع الإقليمي، وخروج الدول الأوروبية من هيمنة الولايات المتحدة التي تبدو في طريقها إلى السقوط من عرش السيطرة بعد عقود طويلة.

التعليقات مغلقة.