حياة زاخرة بالعطاء للشهيد الدكتور علي لاريجاني.. 5 عقود في محراب الأمة ومواجهة الاستكبار

في لحظة تاريخية فارقة، وفي ليلة مباركة من ليالي القدر وشهر الصيام، الثامن والعشرين من رمضان لعام 1447 هجرية (17 مارس 2026م)، ترجّل فارسٌ عن صهوة الحياة ليخط بدمه القاني خاتمةً تليق بعظماء تاريخه، منتقلاً إلى الحياة الأبدية بعد عقود من الجهاد في سبيل الله ونصرة المظلومين.

 

 

ارتقى المجاهد العظيم الدكتور علي لاريجاني شهيداً مخضباً بدم الطهر، مكللاً مسيرة نصف قرنٍ من العطاء الاستثنائي والجهاد المستميت في قلب العواصف، ليغدو دمه وساماً على صدر الجمهورية الإسلامية وكل أحرار الجهاد والمقاومة، ومنارةً تضيء درب السائرين على طريق القدس.

 

الشهيد العظيم لاريجاني كان عقل الأمن القومي الإيراني، وضابطاً عسكرياً متمرساً، وواحداً من أبرز أعمدة الدولة وأوتادها، وهو “العقل الجبّار” الذي زاوج بين سجدة الفيلسوف وبندقية الثائر، وقائداً فكرياً وأمنياً فذاً خاض غمار المواجهة مع قوى الإجرام والاستكبار الصهيو-أمريكي لأكثر من خمسة عقود.

 

تداخلت في شخصيته عبقرية الفكر وحكمة السياسة وصلابة القيادة، فكان الطود الشامخ الذي لم ينحنِ يوماً إلا لخالقه، والدرع الحصين الذي ذاد عن سيادة بلاده وعزة أمته في أحلك الظروف حتى الرمق الأخير.

 

 

 

مولد الطهر وتكوين العقل الفيلسوف:

 

وُلد هذا الطود الشامخ في 3 يونيو 1958 في رحاب مدينة النجف الأشرف، حيث امتزجت طفولته بعبق الولاية وعلم الحوزة، وهو سليل بيتٍ علمي رفيع، ونجل العالم الرباني آية الله ميرزا هاشم الآملي (أحد أوتاد العلم والدين الذي هاجر فراراً من ضغوط رضا بهلوي)، وحفيد آية الله سيد محسن أشرفي، ليرضع لبان العزة في عائلةٍ شكلت حصناً للثورة ولها ثقلها السياسي والديني الفريد.

 

أما عن التميز الأكاديمي والفكري، فمن جامعة شريف التكنولوجية التي تخرج منها بامتياز في الرياضيات وعلوم الحاسوب، إلى محراب الفلسفة الغربية في جامعة طهران، حيث نال الدكتوراه بتوجيه من الشهيد مطهري.

 

وصار لاريجاني الفيلسوف الذي يحاور “كانت” و”كريبك” و”ديفيد لويس” بعقلٍ إسلاميٍ رصين، مؤلفاً كتباً سبرت أغوار الفكر الوجودي، مما جعله “فيلسوف الثورة” الذي يقرأ الواقع وألاعيب السياسة بعين اليقين الفلسفي.

 

 

 

جندي الثورة ومهندس السيادة:

 

ولم ينفصل فكر لاريجاني يوماً عن بندقيته؛ فقد كان قائداً في الحرس الثوري إبان الحرب العراقية الإيرانية المفروضة (1982-1992)، وتدرج في مناصب الدولة كخادمٍ للمشروع الرسالي.

 

وفي قيادته لهيئة الإذاعة والتلفزيون (1994-2004)، خاض “حرب الهوية” بضراوة، متصدياً لرياح الغزو الثقافي الغربي عن عقول الشباب، ما أسهم في إرساء الفكر المجاهد حتى دحر العدوان المدعوم من كل قوى الطغيان.

 

وفي منصبه كأمين للأمن القومي (2005-2007) وكبيرٍ للمفاوضين النوويين، أدار صراع الإرادات مع الغرب المستكبر بصلابة المفكر وحنكة القائد، ثم ترأس مجلس الشورى لثلاث دورات متتالية (2008-2020)، فكان صوت الحكمة تحت قبة البرلمان، ومؤسساً لمركز الدراسات الإسلامية في قم، ليربط بين السياسة والشرع في وحدةٍ متناغمة.

 

وعرف الدكتور لاريجاني بالوفاء للمبادئ، فرغم استبعاده من سباق الرئاسة عامي 2021 و2024، ظل وفياً لمبادئ الجمهورية الإسلامية وأهدافها السامية، وعضواً فاعلاً في مجلس تشخيص مصلحة النظام، قبل أن يعود العام الماضي مجدداً إلى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي حتى لحظة عروجه.

 

 

 

نصير فلسطين ومقارع الاستكبار:

 

وتجلت عظمة الشهيد لاريجاني في وفائه لفلسطين، القضية الأم التي كانت بوصلة جهاده، ومع عودته لأمانة الأمن القومي عام 2025، صار العقل المدبر في مواجهة الكيان الصهيوني.

 

وفي خضم العدوان الصهيوأمريكي الراهن على الجمهورية الإسلامية، وبعد ارتقاء السيد علي خامنئي شهيداً، برز لاريجاني كـ “القائد الفعلي لإيران في زمن الحرب” و”أقوى رجل في البلاد” وفق ما وصفته التقارير الصهيونية والأمريكية والغربية، حيث أدار خيوط المواجهة العسكرية والسياسية باقتدار، معلناً – إلى جانب الردع الذي صدم الأعداء وأذهل العالم – كلمات زلزلت عروش الاستكبار: “إن إيران لن يكون لديها خيار سوى تطوير أسلحة نووية في مواجهة العربدة الصهيوأمريكية”.

 

وفي مواجهة الشيطان الأكبر، لم ترهبه عقوبات أمريكا (يناير 2026) ولا مكافأة الـ 10 ملايين دولار التي رصدتها خارجية الاستكبار لمن يدلي بمعلومات عنه، حيث وقف شامخاً بوجه ترامب، مؤكداً أن الجمهورية الإسلامية “لن تترك ترامب وشأنه”، وأن الحرس الثوري سيظل الكابوس الذي يلاحق كل من يصنفه بالإرهاب.

 

 

 

الشهادة كخاتمة تليق بالعظمة:

 

وفي ذروة الصراع مع “محور الإجرام”، نال لاريجاني أسمى رتبة إنسانية، ففي ليلة 17 مارس 2026، استهدفته يد الغدر الصهيونية الأمريكية بضربة جوية غادرة في طهران، ليرتقي الشهيد العليّ مخضباً بدمه مع نجله مرتضى وثلة من رفاقه، ليعلن قادة الكيان بزهوٍ واهم “القضاء عليه”، غافلين عن أن دم الشهيد هو الوقود الذي سيحرق عروشهم.

 

رحل الدكتور لاريجاني، صهر الشهيد مطهري، والأب لفاطمة وسارة ومرتضى ومحمد رضا، والشقيق لصادق ومحمد جواد وباقر وفاضل.

 

رحل “العقل المدبر” تاركاً خلفه إرثاً لا يمحى من الصمود، ومثبتاً أن مسيرة نصف قرنٍ من الجهاد لا تكتمل إلا بختم الشهادة.

 

وبهذا الوسام الجليل، والإرث العظيم، سيبقى اسمه منارةً لكل ثائر ضد قوى الإجرام، ومهندساً لانتصارات ستظل تلاحق الأعداء حتى زوالهم، وبرهاناً على أن دماء القادة هي التي ترسم حرية الأوطان وعزة الأمة وتحرير القدس

التعليقات مغلقة.