اختراق “أرض الصومال”.. كيف ستواجه الصومال مشروع الهيمنة الصهيونية؟
تقول تحليلات العدو إن ساسة اليمين الصهيوني يقتربون من “عش دبابير”، حيث الاعتراف بأرض الصومال، سيجلب الكثير من الفوضى. لكن المعسكر اليميني يرى في هذا الحدث قفزة في مواجهة أعداء كبار كإيران وتركيا ومصر واليمن ثم قوى عظمى كالصين وروسيا فيما بعد.
في “أرض الصومال” يرى العدو الإسرائيلي، فرصة تاريخية ربما يستطيع كـ”وكيل لأمريكا”، إعادة هندسة الجغرافية السياسية في منطقة القرن الأفريقي.. لقد عبر عن ذلك “عوزي رابي”، الباحث البارز في “مركز ديان لدراسات الشرق الأوسط”، حيث وصف الاتفاق بأنه “اختراق” لمكان “بالغ الأهمية” يفوق مساحة فلسطين المحتلة بست مرات، موضحاً أن كيان العدو يسعى من خلال هذا الاعتراف الذي تم في إطار بيان مشترك مع رئيس أرض الصومال، إلى تثبيت موطئ قدم في ميناء “بربرة” الاستراتيجي.
هذا التحرك الذي وصفه المحلل الصهيوني “روي كايز” بأنه يفتح آفاقاً لمواجهة اليمن وإيران، أولًا، يمثل طعنة في سيادة الدولة الصومالية؛ بالأساس، قبل أن يشرع في استهداف دول من إقليم عربي، ولهذا خرجت وزارة خارجية الصومال في “مقديشو” لوصف الحدث بأنه يهدد السلم والأمن في منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط ككل.
لقد أحدث الاعتراف الصهيوني “صدمة” في العواصم العربية والإسلامية، وهو اعتراف يهز الخرائط ويؤجج البحر الأحمر”، حيث تداعت 21 دولة ومنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة إيغاد والاتحاد الأفريقي، لإصدار بيان شديد اللهجة يحذر من التداعيات الخطيرة لهذه الخطوة.
ويبرز التخوف العربي، الذي عبر عنه الإعلامي المصري “نشأت الديهي” في برنامجه “قلم وورقة” على قناة TEN، من أن العدو الإسرائيلي بدأ فعلياً بإيعاز غربي باستخدام “مقص الخرائط” لمحاولة تقسيم دول عربية كبرى إلى دويلات مجهرية، مستحضراً دعم مجرم الحرب “نتنياهو” الصريح لاستقلال “كردستان العراق” في عام 2017 كمثال تاريخي لما يخطط له اليوم في الصومال والسودان واليمن.
هذا القلق تتشارك فيه دول الإقليم “الأفريقي” ودول ما يسمى “الشرق الأوسط”، وقوى عظمى كالصين وروسيا، وكبرى كتركيا ومصر وإيران، إلى جانب اليمن، ودول الخليج على رأسها السعودية وعُمان.
وترى الدول المشاطئة للبحر الأحمر على وجه التحديد في الوجود الصهيوني على مقربة من مضيق باب المندب وقناة السويس تهديداً مباشراً لأمنها القومي، ومحاولة لفرض “حصار جيوسياسي” يضع المقدرات العربية تحت رحمة ابتزاز العدو الإسرائيلي المدعوم بصمت وانسجام أمريكي، وإن قالت واشنطن عكس ذلك.
ومع أن العدو الاسرائيلي تجاوز مرحلة التحضير الأمني، للدخول في مرحلة “التواجد الاستراتيجي” عبر بوابة الإقليم الانفصالي، بعد الاتفاق مع هرجيسا (مايو 2025) ثم الاعتراف بالإقليم 26 ديسمبر 2025، مقابل الحصول على قاعدة “بربرة” وتحويلها إلى نقطة ارتكاز متقدمة، إلا أن العدو سيصطدم بجدار صلب، فهناك قوى كبرى تتواجد في هذه الجغرافية الحساسة بثقلها كتركيا التي أوجدت لنفسها مكان بالقرن الأفريقي، ضمن سباق التموضع.
وفي مواجهة هذا الخطر تجد الدولة الصومالية في مقديشو، نفسها أمام معركة وجودية؛ فهي لا تملك فقط خيار التنديد والرفض الدبلوماسي، بل بدأت بالفعل في تحريك أوراقها عبر إلغاء تراخيص شركات تتعامل مع “هرجيسا”، ويظهر اللقاء الذي جمع الرئيس الصومالي والرئيس التركي حضور الشراكة الصومالية مع أنقرة وهي واضحة حيث هناك اتفاقيات دفاع مشترك وتعديلاتها خلال 2024, 2025حيث الواقع يقول إن مقديشو قادرة على خنق “أرض الصومال” قانونياً عبر المنظمات الدولية، والمنظمات الأفريقية، إيغاد والاتحاد الأفريقي، وعبر دول القارة الممانعة، والقوى الداخلية المعارضة لسياسة هرجيسا الحالية، وعبر علاقاتها مع قوى كبرى ووازنة، ترى في تعزيز حضورها بالقرن الأفريقي أمر بالغ الأهمية، حيث الإدراك أن هناك تحركات عالمية واسعة للقوى الكبرى للتموضع استعدادا لأي مواجهة عالمية أو إقليمية قادمة.
واشنطن الصهيونية تتسلل
وعلى الرغم من تأكيد واشنطن في جلسة مجلس الأمن قبل أيام، على وحدة الصومال، إلا أن الموقف الأمريكي الأخير “الغامض” يؤكد رضاها غير المباشر بالقرار الصهيوني، حيث تراهن [تل أبيب] على إقناع واشنطن بما أقدمت عليه، وهذه رواية للاستهلاك، فرغم أن ترامب صرح إنه لن يحذو حذو نتنياهو في “الاعتراف بأرض الصومال”، إلا أنه ترك الباب مفتوحا حين قال إنه يجب دراسة عرض الحليف في الشرق الأوسط”، أي حليفه نتنياهو: وبإضافته لجملة “ليس في هذا الوقت”، فهذا يعني تأييد الخطوة الصهيونية بشكل غير رسمي.
ويؤيد هذا ما خرجت به وثيقة “مشروع 2025” الأمريكية، التي صاغتها مؤسسة “هيريتيج” اليمينية بالتعاون مع أكثر من 140 مسؤولاً، وهي أحد أخطر المخططات التي ترسم السياسة الخارجية الأمريكية القادمة تجاه القرن الأفريقي، حيث توصي الوثيقة صراحةً بضرورة إعادة تقييم علاقة واشنطن مع جيبوتي بسبب ما تسميه الانحياز المتزايد لـ”بكين”، وتدعو الإدارة الأمريكية إلى الاعتراف بدولة أرض الصومال كـ “تحوّط استراتيجي” ضد تدهور الموقف الأمريكي في جيبوتي، إذ يرى المحافظون الأمريكيون أن جيبوتي أصبحت منطقة نفوذ صيني بامتياز نتيجة المنافسة في القواعد العسكرية واستضافتها لأول قاعدة صينية خارج حدودها على مقربة شديدة من قاعدة “ليمونيه” الأمريكية، إضافة إلى سيطرة الصين على مفاصل الاقتصاد الجيبوتي عبر القروض، ما جعل قرار جيبوتي السياسي مثل رفضها مؤخراً استخدام أراضيها لضرب اليمن، بمثابة جرس إنذار لواشنطن لإدراك وضعها هناك وحثها على الاعتراف بهذا الإقليم الصومالي لتعويض القصور الأمريكي في جيبوتي، وارتباط مشروع الهيمنة الأمريكية بكيان العدو كـ”واجهة استعمارية متقدمة”، في ظل حراك داخل الكونغرس، تقوده أصوات جمهورية بارزة كـ السيناتور تيد كروز، تدعو إلى الاعتراف بأرض الصومال بوصفها شريكًا محتملا في البحر الأحمر، لتعزيز النفوذ الأمريكي وتقليص الاعتماد على دولة الصومال الأقل استقرارًا، وهي مؤشرات على أن مسار الولاءات المتحدة وكيان العدو الإسرائيلي هو مسار في الأصل واحد، خاصة في مسار التوسع وتغيير الخرائط، وقد برز هذا بشكل واضح في العامين الماضيين من العدوان والإبادة في غزة والعدوان على إيران وعلى اليمن ولبنان والعبث في السودان، واستهداف قطر، وتونس، والصراع الخفي مع الصين ورسيا وما يصاحبه من تحركات لتهيئة الساحة للمواجهات الكبرى القادمة، حيث القرن الأفريقي وخليج عدن والمحيط الهندي والبحر الأحمر جزء حيوي في الصراع، ما يؤكد أن هناك دور أمريكي ناعم وصامت لتوظيف موقع الإقليم الانفصالي بالصومال لصالح نفوذ واشنطن.
استراتيجية الصومال في الرد
وأمام هذا تتبنى الصومال بقيادة الرئيس حسن شيخ محمود استراتيجية “الردع الدبلوماسي” لمواجهة بنود وثيقة “مشروع 2025” الأمريكية والتسلل الأمريكي الهادئ نحو “بربرة” وانتهاك سيادة الصومال.
وتدرك مقديشو أن نقطة الضعف الكبرى في المخطط الأمريكي تكمن في حساسيته تجاه النفوذ الصيني المتصاعد في القارة السمراء، حيث الصين الشريك الأول للقارة، وبدلاً من الاكتفاء بالتنديد، يمكن للصومال أن تتحرك لتعميق شراكتها مع بكين، مستغلة الرفض الصيني القاطع لأي نموذج انفصالي (بسبب ملف تايوان)، غير العضو في الأمم المتحدة والتي تعترف بأرض الصومال، لتجعل من الاعتراف بـ “أرض الصومال” كلفة سياسية باهظة على واشنطن قد تؤدي إلى خسارة جيبوتي والصومال معًا لصالح “طريق الحرير” الصيني، فورقة “الأمن الجماعي”، التي يمكن أن تلعب بها مقديشو بتحذير واشنطن من أن الارتماء في أحضان الانفصاليين سيجبر الصومال على منح الصين وروسيا قواعد بحرية وتسهيلات لوجستية على طول الساحل الصومالي الممتد كثاني أطول سواحل أفريقيا بعد مدغشقر.
هذا سيحول القرن الأفريقي إلى “بحيرة تركية – صينية – روسية” بامتياز، وبالتالي سيفرغ مشروع 2025 الأمريكي والمخطط الصهيوني من جدواه الاستراتيجية في هذه الجغرافية الحساسة.
التواجد التركي في مقديشو
ويمكن النظر بأن مقديشو وظفت “الثقل التركي” كقوة موازنة ميدانية رغم أن لها أطماعها التوسعية؛ (عبر قاعدة تركسوم) الأكبر لتركيا خارج أراضيها، وقد بدأت في تفعيل اتفاقيات الدفاع البحري التي وقعتها في 2024 و2025، والتي منحت أنقرة نفوذًا بحرياً وجوياً، يشمل تأمين المياه الإقليمية الصومالية والذي يعني نشر قطع بحرية متطورة في المياه الصومالية لمواجهة أي وجود عسكري مريب في سواحل الصومال، وحيث يمكن لأنقرة التي تواصل استثماراتها الكبيرة في البنية التحتية والدفاع، وتفعيل منظومات رصد وإنذار مبكر في قاعدة “تركسوم” بمقديشو، في ظل الإعلان عن توجه تركي لإنشاء ميناء فضائي في الصومال في 2026. إضافة إلى تزويد الجيش الصومالي عبر أنقرة، بمسيرات “بيرقدار أكينجي” المتطورة جدًا والمجهزة بصواريخ مضادة للسفن، لفرض “حظر بحري تقني” حيث يمكنها منع السفن الصهيونية من الاقتراب من سواحل الإقليم الانفصالي وسواحل الصومال ككل دون أن تكون في مرمى النيران، وبحسب موقع “ديفانس سيكوريتي آسيا” المتخصص في قضايا الدفاع فإن عملية تسليم هذه الطائرات المتطورة تمت في تحدٍ للولايات المتحدة التي عارضت هذه الخطوة.
وعلاوة على ذلك، بدأت تركيا في تنفيذ “خطة انتشار ميداني” تشمل تدريب قوات خاصة صومالية حوالي ٥٠٠٠ عنصر في عمليات الإنزال البحري وحرب السواحل، بهدف تأمين الموانئ الحيوية ومنع أي محاولة صهيونية لتثبيت رادارات إنذار مبكر في جبال أرض الصومال، والحديث عن اقتراب أعمال التنقيب عن النفط في مياه الصومال 2026، وهذا سيكون غطاء شرعي لوجود بحري تركي في السواحل الصومالية الطويلة يمنع تحويل المنطقة إلى قاعدة انطلاق للموساد، إلى جانب مراقبة السفن العابرة لخليج عدن، حيث أطماع التوسع التركي في المنطقة عبر حلفائها موجودة، وإن كانت غير مرئية كما في سوريا.
هذا إلى جانب الحضور المصري الملفت بالسلاح والتدريب، والمشاركة العسكرية ضمن قوة اصوم الأفريقية، وهو الأمر المزعج لكيان العدو وأثيوبيا، حيث الرفض المصري لأي إطلالة إثيوبية بحرية، أو صهيونية، تهدد قناة السويس، والأمن المائي لمصر.
وفي الداخل الصومالي يظهر الرفض الشعبي على مستوى الولايات في الصومال أو “بأرض الصومال” لأي علاقات مع كيان العدو، وتركّزت أبرز هذه الاحتجاجات في مدينة بوراما بولاية أودال، القريبة من معبر باب المندب، بمشاركة أفراد قبيلة السمارون، التي تقطن الإقليم الذي يقع إدارياً تحت سلطة “أرض الصومال”، ضمن ساحل يمتد من لوغية إلى زيلع، والأهم أن هذا الإقليم يرى أنه جزء لا يتجزأ من الصومال، وأن أهله يدعمون وحدة البلاد بقدر دعمهم العلني للقضية الفلسطينية، ما يشكل مع بقية الصومال ضغطاً حقيقيًا على هرجيسا، ويهدد استقرارها، وربما حتى بقاءها كإقليم يتمتع بحكم ذاتي.
هذا الوضع مع إمكانات توسيع حضور الشركاء الفاعلين في الملعب الصومالي سيضع واشنطن و [تل أبيب] أمام واقع ميداني معقد؛ حيث تصبح أي مغامرة عسكرية في بربرة بمثابة صدام مباشر مع مصالح قوى دولية وإقليمية كبرى، وهو ما يحول “الاعتراف الصهيوني” من مكسب استراتيجي إلى عبء أمني يستنزف مقدرات الكيان في بيئة معادية، ويؤكد أن الدفاع عن وحدة الصومال بات اليوم الركيزة الأساسية لمنع تحول القرن الأفريقي إلى قاعدة انطلاق صهيونية ضد اليمن ومصر وإيران والسعودية والسودان والقوى العظمى في صراعها مع الهيمنة الصهيو – أمريكي.
التحالف الثلاثي والصوت الأفريقي
لا ننس أن الدولة الصومالية لديها تحالف ثلاثي (مصر-الصومال-إريتريا) تبلور أواخر 2024 لفرض حصار قانوني ودبلوماسي على أي تعامل دولي مع “هرجيسا”.
وفي السياق تعتمد مقديشو على رفض القوى الأفريقية الكبرى مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا للمخطط الصهيوني مع التحذير من أن شرعنة “أرض الصومال” ستفتح شهية الانفصال في القارة السمراء بكاملها، الأمر الذي يفسر إصدار الاتحاد الأفريقي بيانًا شديد اللهجة في 28 ديسمبر 2025 يؤكد فيه أن سيادة الصومال “خط أحمر”.
وبهذا التحرك، تحاول مقديشو إقناع العالم بأن التحالف مع الكيان الصهيوني في بربرة التي تديرها شركة موانئ دبي العالمية الإماراتية، هو “استثمار في الفوضى”، وأن الاستقرار الحقيقي للملاحة الدولية يمر عبر تقوية الدولة المركزية، لا عبر تمزيقها لإرضاء طموحات استخباراتية صهيونية عابرة.
التعليقات مغلقة.