“زلزال إبستين” يواصل الإطاحة بـ”النخب” الزائفة.. موجة استقالات وإقالات تهزّ مراكز القرار الغربية و”التابعة

فجّرت وثائق المجرم الأمريكي المدان جيفري إبستين زلزالاً سياسياً وأخلاقياً داخل المنظومات الحاكمة في الغرب وعدد من الدول المتماهية معه، كاشفةً عن شبكة علاقات عابرة للحدود امتدت إلى دوائر القرار والاستخبارات والسياسة الدولية، استُخدمت للتأثير في ملفات دولية وشؤون عامة قبل وقوعها بسنوات، بما يعكس حجم توظيف الابتزاز كأداة نفوذ لخدمة مصالح جهات نافذة تشير أصابع الاتهام إلى ارتباطها بلوبيات ضغط صهيونية تدير النفوذ خلف الستار.

 

 

الفضائح المرتبطة بالوثائق كشفت كذلك الوجه الحقيقي للنخب الغربية والخليجية التي طالما قدّمت نفسها حاميةً لقيم حقوق الإنسان، بينما تتكشف صلاتها بواحدة من أكثر الشبكات فساداً وانحطاطاً في العصر الحديث، في مفارقة تعرّي ازدواجية الخطاب السياسي والأخلاقي لهذه الدول.

 

الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والنرويج والإمارات وعديد من الدول الأوروبية التي ترفع شعارات القانون والعدالة، وجدت نفسها أمام موجة استقالات وإقالات واعتذارات لمسؤولين وشخصيات عامة لاحقتهم تُهم الوقوع تحت الابتزاز، في مشهد يؤكد أن منظومة النفوذ استخدمت شعارات الحقوق والحريات غطاءً لاستمرار سياسات الهيمنة والتدخل في شؤون الآخرين.

 

وفي الولايات المتحدة نفسها، بدت صورة السلطة غارقة في مستنقع الفضائح، بما يعكس طبيعة منظومة سياسية من الرأس إلى القدم، لا تتردد في استخدام مختلف الوسائل لتحقيق أهدافها، حتى لو كانت على حساب القيم التي تدّعي الدفاع عنها.

 

أما في فرنسا، فقد اهتزت صورة النخب الثقافية والسياسية بعد استقالة وزير الثقافة الأسبق جاك لانغ من رئاسة معهد العالم العربي، وانسحاب ابنته كارولين من مواقعها في صناعة السينما المستقلة، بينما تستمر التحقيقات القضائية في ملفات غسل أموال وفساد مالي مرتبطة بإبستين.

 

وفي بريطانيا، أطاحت تداعيات الفضيحة بشخصيات سياسية بارزة، إذ استقال بيتر ماندلسون من حزب العمال عقب الكشف عن روابط مالية ورسائل مرتبطة بإبستين، كما تزايدت الضغوط على رئيس الوزراء كير ستارمر لإعادة ترتيب أولويات حكومته في ظل تصاعد الشبهات السياسية.

 

وفي السياق ذاته، كشفت وكالة رويترز أيضاً عن استقالة وزير شؤون مجلس الوزراء البريطاني كريس وورمالد على خلفية القضية، في وقت اتسعت فيه موجة الانتقادات داخل الأوساط السياسية والإعلامية البريطانية، وصولاً إلى إثارة نقاشات طالت بعض الأوساط الملكية.

 

وفي النرويج، استقالت الدبلوماسية البارزة مونا جول من منصبها كسفيرة بعد انكشاف صلاتها بإبستين، ووضعت تحت تحقيق رسمي في شبهات فساد، فيما امتدت التحقيقات إلى شخصيات بارزة، من بينها رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورجه برينده، إضافة إلى رئيس الوزراء الأسبق ثوربيورن ياغلاند الذي واجه اتهامات تتعلق بالفساد الجسيم وقضايا مرتبطة بهذا الملف.

 

كما اضطرت الأميرة ميت ماريت إلى تقديم اعتذار علني عن علاقتها السابقة بإبستين، في مؤشر على اتساع تأثير الفضيحة حتى داخل العائلات الملكية.

 

ولم تتوقف التداعيات عند هذا الحد، إذ امتدت إلى سلوفاكيا باستقالة المستشار الأمني السابق ميروسلاف لايتشاك بعد كشف مراسلات مرتبطة بالشبكة، كما شهدت السويد استقالة جوانا روبنشتاين من رئاسة إحدى منظمات الأمم المتحدة المعنية باللاجئين بعد الكشف عن زيارتها لجزيرة إبستين الخاصة، ما أثار غضباً واسعاً في الرأي العام.

 

وفي السياق ذاته، طالت الفضيحة الإمارات، حيث كشفت الوثائق ارتباط شخصيات اقتصادية بارزة بالشبكة، ما أدى إلى استقالة سلطان أحمد بن سليم، الرئيس السابق لمجموعة موانئ دبي، عقب ظهور مراسلات تربطه بإبستين، وتورطه في إهداء الأخير قطعة من كسوة الكعبة، في واحدةٍ من أبشع ممارسات التدنيس بحق المقدسات، والتي يمارسها صبيان العمالة في الرياض وأبوظبي.

 

لدى النظام الإماراتي الوضيع فضيحة أخرى بهذا الصدد أكثر فضاعة، حيث أثارت مراسلات منسوبة لهند العويس، المديرة السابقة في لجنة حقوق الإنسان والمستشارة الأممية، جدلاً واسعاً بعد تداول معلومات عن صلاتها بالقضية، وما رافق ذلك من اتهامات إعلامية أثارت موجة نقاش واسعة، لا سيما بعد انتشار مراسلات تتعلق بجلب الفتيات للمجرم إبستين.

 

ومع استمرار تساقط الاستقالات وفتح التحقيقات، تتزايد الضغوط الشعبية والإعلامية على النخب السياسية والثقافية في مختلف الدول، ما دفع كثيرين إلى التبرؤ من أي صلات سابقة بإبستين في محاولة للحفاظ على ما تبقى من صورتهم العامة.

 

وفي المقابل، تواصل وزارة العدل الأمريكية نشر الوثائق بصورة متدرجة، ما يثير اتهامات باستخدام المعلومات كأداة ابتزاز سياسي، في ظل مطالبات متزايدة بكشف كامل الوثائق المحجوبة، وسط استياء واسع لدى الضحايا والمنظمات الحقوقية.

 

وبهذه المعطيات، تتحوّل قضية إبستين إلى مرآة تعكس حجم التناقض الأخلاقي والسياسي في المنظومات الغربية والخليجية، حيث تكشف كل استقالة واعتذار وتحقيق جانباً من واقع النفاق الذي يُمارس باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات، فضلًا عن انكشاف حقيقة الدور الوظيفي الذي تؤديه الأطراف المتورطة، سواء كانت شخصيات أو كيانات أو امتدادات لأنظمة تغوص في المستنق

ع الصهيوأمريكي الغربي الوحل.

 

التعليقات مغلقة.